عادةً ما يصاحب كل تحول تكنولوجي كبير تنبؤات قاطعة. ولم تكن خدمة العملاء استثناءً. قبل بضع سنوات، سمعنا أن الهاتف سيختفي، وأن برامج الدردشة الآلية ستحل محل الموظفين، وأن مجرد توفير قنوات رقمية جديدة سيكون كافياً لضمان تجربة عملاء جيدة. إلا أن الواقع أظهر سيناريو أكثر تعقيداً، وفي الوقت نفسه، أكثر إثارة للاهتمام.
خدمة العملاء تتغير بشكل جذري، ولكن ليس في الاتجاه الذي تخيله الكثيرون.
لا يزال هذا التوجه مستمراً، ومن المتوقع أن يزداد حدةً في السنوات القادمة. تشير أبحاث غارتنر إلى أن 51% من رحلات خدمة العملاء تبدأ خارج القنوات الرسمية للشركات، عبر محركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي، أو أدوات الذكاء الاصطناعي. تُظهر هذه البيانات أن تجربة العميل تُبنى الآن قبل وقت طويل من أول اتصال بمركز الاتصال، مما يتطلب من المؤسسات امتلاك رؤية أشمل لبناء العلاقات وتكامل القنوات.
يُفسر هذا التحول سبب كون العديد من التوقعات المتعلقة بهذا القطاع تبسيطات مفرطة. فمن الشائع سماع أن قناة معينة ستحل محل أخرى، أو أن الذكاء الاصطناعي سيُغني عن الحاجة إلى التفاعل البشري. إلا أن التجربة العملية تُظهر أن تطور خدمة العملاء لا يتم عن طريق الاستبدال، بل عن طريق التكامل.
يُجسّد الهاتف هذا التحوّل خير تجسيد. فقد تراجعت أهميته، لكنّ أهميته لا تزال قائمة. فالمسائل العاجلة، والمفاوضات المعقدة، والمشاكل التقنية، والمواقف الحساسة عاطفياً، لا تزال تجد حلاً فعالاً عبر المكالمات الصوتية. صحيحٌ أن المستهلكين لم يعودوا يعتمدون كلياً على الهاتف، لكنهم ما زالوا يُقدّرونه عندما يتطلب السياق تفاعلاً أعمق.
ينطبق المنطق نفسه على تطبيقات المراسلة. فقد أحدثت شعبية تطبيقات المراسلة الفورية نقلة نوعية في كيفية تفاعل الأفراد مع الشركات، وجعلت خدمة العملاء أكثر سهولة في مختلف المواقف. ومع ذلك، يبقى اختيار قناة التواصل مُحددًا بنوع الطلب. فبعض الطلبات يُمكن حلها في غضون دقائق عبر الرسائل، بينما يتطلب البعض الآخر تبادل المستندات، أو التحليل الفني، أو التفاوض، أو محادثة أكثر تعمقًا. وتتحسن التجربة عندما يكون هناك حرية اختيار القناة الأنسب، وعندما تستمر المحادثة دون انقطاع، بغض النظر عن البيئة المستخدمة.
في هذا السياق تحديداً، يضطلع الذكاء الاصطناعي بدور استراتيجي. فعلى عكس التوقعات التي أشارت إلى استبدال واسع النطاق للقوى العاملة، أثبت الذكاء الاصطناعي قيمة أكبر عندما يعمل كمحفز للتجربة. فهو يُؤتمت المهام المتكررة، ويُقلل أوقات الاستجابة، ويدعم التشخيص، ويُوسع نطاق تقديم الخدمات الشخصية، بينما يُركز المختصون جهودهم على الحالات التي تتطلب حُكماً سليماً وتعاطفاً وحُسن اتخاذ قرارات.
يظهر هذا التقييم أيضاً في الدراسات الدولية. وتلاحظ شركة ماكينزي أن الشركات الأكثر تقدماً في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي قد وجّهت هذه التقنية نحو زيادة الإنتاجية ودعم عملية صنع القرار، وليس نحو إلغاء المشاركة البشرية في أكثر الأنشطة تعقيداً. ويكمن المكسب في الجمع بين الأتمتة وتطوير مهارات الفريق.
ومن الجوانب الجديرة بالثناء أيضاً تكامل قنوات التواصل. لسنوات طويلة، كان توسيع نقاط الاتصال مرادفاً للابتكار. أما اليوم، فلم يعد توفير الهاتف والدردشة والتطبيقات والبريد الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي ميزة تنافسية. يتوقع المستهلكون استمرارية الخدمة. وقلّما يُثير موقفٌ ما إحباطاً أكبر من الاضطرار إلى شرح المشكلة نفسها مراراً وتكراراً لأن كل قناة تعمل وكأنها كيان مستقل.
لعل هذا هو التغيير الأهم الذي شهده القطاع. فقد تحوّل النقاش من التركيز على فتح قنوات جديدة إلى التركيز على جودة تجربة العميل. لا يهمّ من أين بدأ النقاش؛ فالمهم هو القدرة على تلبية الطلب بسرعة وبشكل متسق وبأقل جهد ممكن.
غالباً ما تصاحب التحولات التكنولوجية تنبؤات متسرعة، ولم يسلم قطاع خدمة العملاء من هذا المنطق. إلا أن التجربة العملية تُظهر أن أهم التغييرات نبعت من القدرة على دمج القنوات، وتوظيف التقنيات الجديدة، وإعداد الكوادر المتخصصة للتعامل مع متطلبات متزايدة التعقيد.
في النهاية، ربما يكون الدرس الأهم من هذا التحول هو أبسطها: لم يكن مستقبل خدمة العملاء يوماً صراعاً بين الأدوات أو القنوات، سواءً أكانت الهاتف أو الدردشة أو الذكاء الاصطناعي. بل كان دائماً - وسيظل - يدور حول فهم المستهلك، واحترام ظروفه، وتقديم أفضل تجربة ممكنة في كل لحظة من رحلته
غوستافو فاريا هو المدير التنفيذي للجمعية البرازيلية لخدمات الاتصالات (ABT).



